رضوى عاشور.. و” ثلاثية غرناطة ” (1-4)


في حياة كل إنسان، تجربة ثقافية أو تعليمية أو سياسية، أو غيرها من تجارب الحياة، والتي بها يتشكل “نسيج العمر” ويخطو الإنسان بسنوات حياته؛ حتى تبلغ الرحلة نهايتها، ويرسو القارب عَلى شاطئ الأبدية.

ومن بين هذه الحصيلة الحياتية، نتذكر شخصيات اكتسبت من عالم الشهرة الكثير، وشخصيات من عامة الناس، لم تنل من الحياة سوى السعي عَلى “لقمة العيش، وطلب الستر” وكفى!

عرفت في حياتي الكثير من هؤلاء وهؤلاء، ومن نبع كُلٍّ منهما تعلمت وتثقفت وخَبرتُ الحياة بقدر ما منحني الله من نعمة الفهم والإدراك.

فقد عرفت -بحمد الله- الكثير من أعلام العصر، واقتربت منهم وتعلمت على أيديهم، سواء كانوا في عالم الفكر والثقافة والسياسة أو حتى عالم الحرب والاستراتيجية والقتال!

ثلاث من شخصيات هذا العصر الجميل والرائع، كنت أتمنى أن تكون معرفتي بهم أقرب وأوثق، أولهم الدكتور أنور عبد الملك صاحب الكتاب الرائد “مصر: مجتمع جديد يبنيه العسكريون” أو “المجتمع المصري والجيش” فقد وقعت في هواه العلمي، وموسوعيته الثقافية، وقامته الفكرية الشامخة، منذ حضرت أول مُحاضرة له بكلية الآداب في جامعة القاهرة عام ١٩٧٤، بدعوة من أستاذي الدكتور حسن حنفي، غداة عودته من تغريبته الفرنسية، التي طالت سنواتها منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وانتهت في تلك السنة الى أعقبت حرب أكتوبر المجيدة.

يومها استمعت من الدكتور عبد الملك لكلمات مُبشّرة بعصر جديد وعالم عربي تحرري يقوم عَلى قاعدة راسخة عنده، وهي تحالف عالمي ينهض عَلى إعلان باندونج، ذلك المؤتمر المحوري الذي شارك فيه عبد الناصر عام ١٩٥٥، وكان أحد نجومه الكبار، مع قادة أفريقيا وآسيا في تلك المدينة الإندونيسية التاريخية.

أما الشخصية الثانية، فهي الدكتور عبد الوهاب المسيري، صاحب الموسوعة الأشهر والأهم في تاريخ مصر والعرب بل والعالم عن “اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل” والتي صدرت في القاهرة في ثمانية مجلدات في منتصف عقد التسعينيات عن دار الشروق المصرية.

فالرجل كان ظاهرة إنسانية نبيلة وعظيمة، فلم يكتف بدوره أستاذا جامعيا مرموقا بجامعة عين شمس العريقة في مادة الأدب الإنجليزي، بل انخرط في الحركة السياسية المُعارضة لحكم الرئيس حسني مبارك، وقاد التظاهرات ضده، منسقا لحركة كفاية المُعارضة، لفكرة توريث حكم مصر من مبارك إلى نجله!

ولذلك بدت صورته “وهو يتلقى ضربات الشرطة الثقيلة، أمام نقابة الصحفيين المصريين، وقد بلغ الرجل عمر الشيخوخة، ونال مرض السرطان اللعين من جسده الواهن، بمثابة صورة العصر، صورة المُفكر الكبير عندما يكون بين صفوف شعبه، وصورة النهاية لسلطة شاخت في مواقعها، وكان عليها الرحيل!

الدكتورة رضوى عاشور أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس، مثلها مثل زميلها الكبير  عبدالوهاب المسيري، تُماثِله في المهنة، وتُزاملِه بنفس الجامعة، لكن الأهم هي ارتباط كل منهما بتيار الحركة الوطنية المصرية والقومية، حتى كادا يتشابهان في الفكر والمُعتقد والانتماء، فقد عَرَفتُ الدكتورة رضوى، خلال عضويتها في لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية والقومية ومقاومة التطبيع مع العدو الإسرائيلي، غداة توقيع الرئيس السادات لاتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨.

كانت الدكتورة رضوى المُساعد الأول للدكتورة لطيفة الزيات رئيسة هذه اللجنة، والتي أخذت آنذاك من مبنى حزب التجمع مقرا لنشاطها، ولم يُنافسها في النشاط والجرأة والعطاء سوى الأستاذين صلاح عيسى الصحفي والمؤرخ المرموق، وحلمي شعراوي خبير الشئون الأفريقية الكبير، فضلا عن ريادية وأبوة الدكتور عبدالعظيم أنيس، عالم الرياضيات المرموق واليساري الكبير في قيادة هذه اللجنة الرائدة والأستاذ أيضا في جامعة عين شمس!

في منتصف الستينيات من القرن الماضي، كانت مجلة الكاتب والتي كان يرأس تحريرها الأستاذ أحمد عباس صالح، بمثابة الصوت القومي الذي يترافق في معركة التنوير والتثقيف  مع زميلته اليسارية مجلة الطليعة، التي كان الأستاذ لطفي الخولي، رئيسا لتحريرها. كانت هاتان الشهريتان، بمثابة المنصة لتعليم أجيال مُتلاحقة من الشباب المصري والعربي الفكر الثوري المعاصر بوجهيه القومي واليساري.

كانت الدكتورة لطيفة الزيات من الكُتّاب الدائمين في مجلة الكاتب حاملة معها تاريخها الوطني والسياسي، وتجربتها الوطنية من موقع اليسار المصري الثري والمُبهر منذ كانت عضوا في اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، التي قادت تظاهرات فبراير عام ١٩٤٦، ضد معاهدة “صدقي/ بيڤين” ونجحت في إسقاطها، بل وإسقاط حكومة اسماعيل صدقي باشا.

الدكتورة رضوى عاشور ولحُسن حظها أنها كانت طالبة في قسم اللغة الإنجليزية، بكلية الآداب بجامعة القاهرة حيث تتلمذت عَلى يد الدكتورة لطيفة الزيات، فكانت لها بمثابة الأم؛ ولم تكن لها أستاذة ورائدة فحسب، بل كانت نموذجا يُحتذى في كل أوجه الحياة، فلم تكن لطيفة أستاذة نابهة في تخصصها في الأدب الإنجليزي فقط، بل كانت مُلهمة لها في عالم الإبداع، وصارت رواية “الباب المفتوح” للأستاذة، بابا واسعا لتأخذ منه الطالبة أسرار الإبداع وجمال اللغة، بل والأهم الانتماء إلى مدرسة التحرر الوطني والاجتماعي، في الأدب دون السقوط في فخ الدعائية المُبتذلة، أو المُباشرة السياسية الفجة.

وبمثل ما كانت مجلة الكاتب، منصة للتعبير السياسي والأدبي للدكتورة لطيفة الزيات؛ فقد أتاحت لتلميذتها الكتابة المُبكرة في تلك المجلة الرائدة، وحتى إغلاقها في منتصف السبعينيات بقرار من وزير الثقافة وقتها الأديب يوسف السباعي، حيث كانت تصدر المجلة عن وزارته!

بدأت الدكتورة رضوى، المولودة في ٢٦ مايو ١٩٤٦، والمتوفاة في ٣٠ نوفمبر ٢٠١٤، رحلتها الإبداعية من باب النقد الأدبي، لا الكتابة الروائية فقد حصلت في سنة ١٩٧٢،عَلى درجة الماجستير من جامعة القاهرة، في الأدب المُقارن، ثم توجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتنال درجة الدكتوراه عام ١٩٧٥، من جامعة “ماساشوستس” العريقة حول “الأدب الأفريقي الأمريكي” بدرجة الامتياز، وعادت إلى مصر لتُغادر جامعتها الأولى جامعة القاهرة إلى جامعة عين شمس؛ لتُعيد سيرة أستاذتها لطيفة الزيات، رئيسة لقسم اللغة الانجليزية؛ ليأخذ العلم عَلى يديها أجيالا مُتتابعة من الشباب، ليس من أبناء مصر وحدها، بل من كل أبناء الوطن العربي، حتى صارت نموذجا شامخا ورائدا، في الأستاذية والعطاء والزهد والموضوعية والتجرد داخل أسوار الجامعة وخارجها.

خارج قاعات الدرس والبحث الجامعي، كانت رحلة رضوى عاشور مع الإبداع وهو ما شكّل لها عالما جديدا من التألق، حيث بدأت الدخول في عالمها الجديد من باب النقد الأدبي، إذ نشرت أول أعمالها النقدية في عام ١٩٧٧، وكان عنوانها مُعبرا عن توجهها القومي، وهو “الطريق إلى الخيمة” حول التجربة الأدبية لغسان كنفاني، وأعماله الرائعة عن الشأن والهم الفلسطيني، فضلا عن دراسة نقدية أخرى، عن الحركة الأدبية في دول الغرب الأفريقي، عنوانها “التابع ينهض” وبدا العنوان والموضوع بمثابة مواصلة لمسيرة أستاذتها الكبيرة؛ عرفانا بدورها في تكوين توجهاتها الفكرية والإبداعية.

وبين عام 1985، وعام ١٩٩٢، بدأت رضوى تتلمس طريقها إلى عالم الرواية بحذر وحرص بل وبكثير من الخوف!

فتنشر لها دار المستقبل العربي في تلك السنة (1985) روايتها الأولى “حجر دافئ” ثم تتابع النشر في القاهرة بروايات ذات طابع اجتماعي وإنساني مثل “خديجة وسوسن وسراج” ومع عام ١٩٩٤، وضعت  رضوى عاشور أقداما راسخة في عالم الإبداع العربي، فقد نُشر لها ثلاثيتها التاريخية الخالدة “ثلاثية غرناطة” والتي صدرت عَلى مرتين الأولى كانت بعنوان “غرناطة” وفي العام التالي صدر لها الجزء الثاني والثالث تحت عنوان “مريمة والرحيل” ثم ضمتهما في مجلد واحد من خمسمائة صفحة ونيف بعنوان شامل هو ” ثلاثية غرناطة ” عن دار الشروق المصرية، فأثارت اهتماما أدبيا وثقافيا مُستحقا.

لم تركن رضوى عاشور عَلى ذلك النجاح المُدوي لثلاثيتها الرائعة، ولكنها واصلت المسير، ولم تتوقف عن الإبداع حتى وهي في ذروة الإسهام الجامعي مع طلابها، ولا محنة المرض، فبين عام ١٩٩٩، وعام ٢٠١٢ نُشرت لها أربع روايات ومجموعة قصصية واحدة من بينها “الطنطورية”، ومجموعة “تقارير السيدة راء”، و”أثقل من رضوى”، وهي مقاطع من سيرة ذاتية وأطياف، و”قطعة من أوروبا”، و”فرج” فضلا عن “الصرخة” وهي بمثابة الجزء الثاني من “أثقل من رضوى” فهي مقاطع أيضا من السيرة الذاتية.

لكن المُحزن أن هذا الكتاب الأخير لم تراه رضوى عاشور، ولم تلمس صفحاته، وتتصفح سيرتها الذاتية، فقد صدر في سنة ٢٠١٥، بعد عام واحد من رحيلها، حيث كانت بين يدي الله، فليشملها برحمته ويجعلها في صحبة الأنبياء والشهداء، ومن أحسن عملا في دنياه.