رحلة ٤٠٤.. الرجال من الجنة، والنساء رجس من صنع الشيطان


“رحلة “٤٠٤ هي تجربة سينمائية مؤجلة قرابة الثلاث سنوات بسبب بعض الاعتراضات الرقابية على القضية المطروحة من تأليف محمد رجاء، وإخراج هاني خليفة، وبطولة منى زكي.

بداية القول وقبل أي شيء، مهما تعرض العمل الفني لتعنت رقابي سواء أكان معلنًا أم غير ذلك، فالجمهور غير معني إلا بما شاهد، حيث أن ما تم الاتفاق على عرضه هو بالفعل مُنتج فني مُضاف لتاريخ السينما المصرية، وأي أجزاء أخرى سواء تم حذفها أو إعادة كتابتها للتمرير الرقابي، ما هي إلا أفكار حبيسة الأدراج إذا تم تنفيذها بالطبع سيُنتج عنها عمل فني مختلف، كما أن ذلك التعنت جزء لا يتجزأ من السياق الثقافي والرقابي لتلك الحقبة الزمنية التي تم إنتاج العمل بها، لا يمكن إهمالها بالتأكيد، ولكن لا يمكن أيضًا تخيل أي أحداث أخرى كانت ستقدم، فقط نحن معنيون بما تم عرضه في سياق عمل أرتضى صُناعه بالفعل خروجه إلى النور.

رحلة ٤٠٤

بدايات منضبطة

يبدأ الفيلم بشريط صوت به مكالمات مباركة للحُجاج الذين سيسافرون لأداء مناسك الحج، ومن بينهم غادة/ منى زكي، ثم تُفتتح الصورة السينمائية على عملها بشركة عقارات، بعد أن استأذنت أحد عملائها للرد على الهاتف، أي يؤسس الفيلم وقبل الدخول لأي أحداث بعد، إلى تلك الضروريات في حياة البطلة، بين عمل تقدمه بجدية شديدة، وهاتف هام ومصيري لا يمكن إهماله ولا يقل أهمية عن العمل الذي تؤديه.

ثم بالدخول أكثر إلى عالم غادة وظهور والدتها/ عارفة عبدالرسول، كشخصية فاعلة غير حاضرة جسديًا في مشهدها الأول، تعبر غادة عن ردة فعلها تجاه مكالمتها الهاتفية، التي تطلب فيها أموال من الابنة، معبرة الابنة عن استيائها الشديد من هذا الطلب، ومُمهدة بشكل فعال لتلك العلاقة المضطربة بينهما، موضحة أنها لم تعد تمتلك شيء وتركت طريق جلب الأموال السريعة، وذلك أثناء عقد نيتها في الصلاة داخل الشركة، وتعتبر هذه التمهيدات ذكية للغاية في البداية، حيث عرض مبدئي لشكل علاقة البطلة مع الأهل، بجانب إدراج بعض الجمل الموضحة أنه هناك ماضي تهرب منه الشخصية، بجانب تلك الثنائية القائمة بين نية تأدية فرض الصلاة، وعدم تأديته، بسبب مكالمة الأم، للتمهيد جيدًا لتأخر أو ربما تراجع، تأدية الفرض الأكبر “الحج” الذي تتسبب في تهديد تحقيقه الأم أيضًا، ذلك الحج والسفر الذي أفتتح منه الفيلم وأكد على أهميته، دون معرفتنا بعد لكافة تفاصيل الشخصية الرئيسية..

أي أن التمهيد جذاب وواعي، بجانب مظهر الشخصية التي ترتدي حجاب وتضع طلاء أظافر وكذلك مساحيق الوجه وأيضًا إظهار نصف الشعر بالخارج، كتمهيد آخر صوري موازي للحدث، نحو ذلك التداخل القابع بالشخصية، الذي يقول أنه ربما سيطلعنا عما هو أعمق من تناقضات وصراعات بداخلها بعد أن نتعرف على ماضيها وحاضرها بشكل كامل.

فالفيلم يقيم مجموعة من الثنائيات تبدأ من التمهيد أنه هناك ماضي وحاضر، ثم المرور بعناصر أخرى تكون ثنائيات صغيرة كما تم الذكر، وكأنه يقدم مفاتيح درامته إلى المتفرج، كي يأخذه في رحلة لا تخلو أبدًا من الصراعات المتتالية أساسها ماضي وحاضر، وتسبب في عقدتها تداخل ينضح على مظهر البطلة ومن المفترض أنه سيستمر للجوهر أو ربما لأشياء أخرى. ولكن!

 

رحلة ٤٠٤

قفزات درامية

تقوم حبكة الفيلم على تورط غادة بمرض والدتها بالمستشفى قبل سفرها بأيام، والذي يتسبب في لجوئها إلى شخصيات من ماضيها حتى تستطيع جمع المبلغ المالي لعلاج الأم.

بداية، قدم الفيلم تخلي وصلابة واضحة من قِبل شخصية غادة عن تركها والدتها في المستشفى بادعائها عدم معرفتها بها، ثم للقفز إلى مشهد تالي سريعًا لوجودها بالمستشفى تتحدث مع صديقة لها عن مرض الوالدة ومحاولة جمع الأموال، فالتفسير الوحيد هو أن قلب الابنة رق للأم وقررت عدم التخلي عنها، ولكن، هذا اجتهاد شخصي سيقدمه المتفرج لنفسه، دون أن يشاهد مشهدا واحدا يوضح تدرج الحالة من الرفض التام إلى الحنان وقرار المساعدة.

حدث ذلك القفز في كتابة ورسم الشخصيات والأحداث في مناطق أخرى عديدة بالفيلم، كما في مشهد سفر غادة إلى “العين السخنة” مع عائلة لم نعرف من هم ومن أين جاءوا، وما مناسبة وجودهم سوى في مشهد نزولها إلى البحر وما يحمله من دلالات مناسبة لسياقه، كانت ستتم في كل الأحوال سواء كان معها سيدات أخريات أم لا، وعلى ذكر وجود السيدات، فظهور شخصية الصديقة رانيا/ جيهان الشماشرجي، أيضًا غير مُمهد له، فدون سابق إنظار هي موجودة بالمستشفى دون إجراء أي أتصال، ولولا توضيح أنها في حالة “سُكر” لما علمنا أنها من عالم غادة الماضي.

وتلك هي معطيات ذلك العالم الذي تحاول غادة الهرب منه، ومع أول أزمة لم تجد سواه، ولم تفكر لحظة بغيره، أمثلة زملاء عملها في شركة العقارات، ويمكن تأويل هذا أنه الطريق الأول الذي جاء إلى ذهنها فور وقوع أزمتها، لأنها ربما تميل له، ويعتبر ذلك التأويل إذا تم الأخذ به، هو مُمهد في ذاته إلى صراع داخلي قوي للشخصية ستحياه وسيظهر بوضوح، بينما ما ظهر بالفيلم وبعد تقديم الثنائية من البداية بهذا الشكل، ما هو إلا وصم طرف الثنائية الأول (الماضي) بالشر والغواية، والثاني (الحاضر) بالنقاء والحج والتوبة. وما على الشخصية إلا الوقوع في مأزق الاختيار، لا النفسي الذي يحرضها للرجوع، بل دائمًا الصراع في خانة الاضطرار، حتى لو عادت فهي مضطرة وصراعها الداخلي سينبع من الاضطرار لا من الرغبة الإنسانية في العودة والحنين، التي بالتأكيد كانت ستثمر عن صراع أكبر وأعمق.

 

رحلة ٤٠٤

النساء عاهرات

بخلاف أن بطلة الحدوتة سيدة، فهناك سيدات أخريات كثيرات بالفيلم، أولهن الأم، تلك المُحرضة الأساسية على عمل غادة القديم الذي يكشف الفيلم أنه كان عمل بالجنس، طالبة بشكل دائم ومستمر أموال، وحتى في اضطرار رجوع غادة الأخير لهذا العالم فهي المتسببة أيضًا في ذلك، على الرغم من وجود بعض المشاهد التي تؤكد على أن الأب أيضًا كان سبب من أسباب اتجاه غادة للعمل بالجنس، أو أنه كان على علم ولم يبد أي اعتراض، وبالتالي الأثنين معًا أرتكبا بحق البطلة آثم لم يغتفر، إذًا فلماذا تم العفو عن الأب بعض الشيء، عفو يصل إلى حد أخذه لأداء مناسك الحج، دون العفو والغفران للأم؟ بجانب عدم توضيح أي أسباب لشر الأم المطلق بهذا الشكل النمطي، ذات الخط الأحادي الذي يتلخص في كونها لا تكف عن طلب أموال.

في مقابل السعي للبحث عن لبس إحرام مناسب للأب وزيارته بين حين وآخر.

أما عن النساء الأخريات، فوضعهم الفيلم كليًا في خانة “الغاويات/ العاهرات” أو في أقل تقدير للبعض منهن المتسببات في ذلك المصير، فبعد الأم، تأتي شخصية شهيرة/ شيرين رضا، التي كانت تعمل معها غادة في الماضي وهي المسؤولة عن عمل الفتيات بالجنس، والتي تتعقد بسببها الأحداث أكثر بعد رفضها مساعدة غادة في مقابل رجوعها للعمل، بجانب شقيقتي البطلة “سماء إبراهيم، رانا رئيس” التي تقوم واحدة منهن بالضغط على غادة لسد بعض الأموال التي دفعتها للأم بالمستشفى، والثانية التي لا تعيش مع غادة فتسعى جاهدة لتوفير حياة أفضل لها مما كانت هي عليه في سنها مع أسرتها، وذلك بخلاف إنه إذا تم حذف أي من الشخصيتين أو حتى الأثنين معًا لم يتأثر الحدث بشيء، لأن ذلك الضغط من عدمه لم يؤثر في تغيير غادة لخط سيرها الرئيسي في البحث عن أشخاص من ماضيها لمساعدتها، هو فقط كل ما فعله الفيلم أنه وضع النساء في محل ضاغط أكثر لكنه غير مؤثر، وكأنها شخصيات كُتبت فقط لتُدان، وذلك بجانب الصديقة “رانيا” التي ارتبط ظهورها بخط محاولات غادة لبيع سياراتها، وبالنظر إلى ذلك الخط، نجد أنه خطا مطاطيا ومتكررا دون جدوى، حيث بين كل مجموعة مشاهد تظهر الصديقة معها مشتري للعربية ترفض غادة البيع وتنزعج من ضغط الصديقة في العودة إلى طريق العمل بالجنس وينتهي الأمر، مع الأخذ في الاعتبار أنه إذا كانت تتعرض البطلة إلى مهانة حقيقية من ذلك الماضي وشخصياته الذي تمقته، فالدافع سيكون في بيع السيارة حتى ولو برقم هزيل، أو توقف هذا الخط بعد الرفض الأول دون تكراره، فتكراره ما هو تأكيد جديد بوضع سيدة جديدة داخل دائرة الضغط على البطلة للعودة للماضي. دون إفادة أو تطور حقيقي للخطوط الدرامية الرئيسية.

رحلة ٤٠٤

تحيز جندري للرجال

الأب مغفور له، وذلك دون علم حجم ما فعله أيضًا مقارنة مع الأم وأي منهما بحق يستحق الغفران، فذلك خطًا مبتورًا كغيره، لكنه غُفر له ما تقدم من ذنبه، وبالتتابع بدأت شخصيات الرجال الأخرى في حياة غادة بالظهور، حيث “طارق” أو بالأحرى الطارقان، حيث قررت غادة أن تلجأ لواحد منهما، فيظهر الثاني بمحض المصادفة في طريقها “محمد ممدوح” ليتضح أنه أول رجل أحبته غادة ومارست معه علاقة جنسية أثمرت عن “فقد عذريتها” فتركها مقابل الزواج من أخرى تحافظ على شرفها لتصبح زوجة وأم لأبنائه، ومنها دراميًا يلتبس الأمر أكثر، في توضيح سبب اتجاه غادة للعمالة بالجنس، فهل هو بسبب فقد العذرية والصدمة في الحبيب، أم بسبب ضغط الأهل غير الموضح أسبابه بالقدر الكافي؟، ثم بظهور رجال ٱخرين في طريقها، هشام/ محمد علاء، الذي لم يؤسس لشخصيته بشكل واضح وعن علاقته السابقة بالبطلة، سوى كونه ينتمي لدائرة المحرضين على أفعال الشر، وربما هو الرجل الوحيد بالفيلم الذي ينتمي إلى هذه الدائرة بجانب جموع السيدات المحرضات، حيث يبني الفيلم ثنائية طويلة المدى تتلخص في وقوع غادة في أزمة اختيار بين (الماضي/ الحاضر) وهي ثنائية البداية الفعلية التي يتم ترجمتها عن طريق باقي أحداث الفيلم إلى (الخير/ الشر) ثم تفكيكها إلى مفردات واضحة، حيث يحمل الطرف الأول من الثنائية (العمل بالجنس، النصب، السرقة) بينما يحمل الطرف الثاني (الحجاب، الحج، التوبة). ومنها تنضم الشخصيات لأي من طرفي الثنائية، دون وضوح لمعالم الشخصيات بقدر درامي مناسب، فبين صدف لا حصر لها في الظهور، لا يهتم المؤلف بأبعاد أي من الشخصيات بل سار الاهتمام الأكبر على نحو تصنيفهم إلى أي فئة تنتمي، وإلى أي مدى ستتمسك البطلة بطرف الثنائية الثاني.

تستمر غادة في لقاء شخصياتها واختبارات توبتها التي تثبت فيها أنها حتى وإن ذهبت إلى مفردات الطرف الأول من الثنائية فهي مضطرة وليست راغبة، وهذا يضعف بقوة الصراع النفسي، ويضعه في خانة الاختبارات التي تلتزم بالخطاب الديني وحده، الذي يحرم كافة الأفعال الموضوعة داخل بنية طرف الثنائية الأول، دون النظر لبناء الشخصية بذاتها، وهنا يظهر توجه المؤلف بل ولسانه، حيث تبني مذهب واضح يتبع قواعد تحت مظلة دينية ومجتمعية، دون النظر في بناء درامي مُحكم وشخصيات تحمل متناقضات، فجميعهم أنماط ينتمون إلى أي طرف على حدة، والوحيدة صاحبة المأزق هي في اختبار ديني ومجتمعي أكثر منه نفسي.

وذلك لحين لقاء “الطارق” الثاني، محمد فراج. ذلك الزوج الذي تسبب في بلوغ عقدة الفيلم ذروتها، حين عرقل لها طريق أخذ المبلغ كامل من شهيرة، لوضعها في اختبار توبة حقيقي، حتى يتحرى الدقة من صحة توبتها، بداية يضع المؤلف مصير التوبة كاملة في يد رجل، مثلما وضع مصير اختيار العمالة بالجنس أو ربما جزء منه في يد رجل أيضًا، والاثنان يحملان نفس الاسم، ودون النظر في تأويل واضح من دون اجتهاد، نحو كونهما وجهان لعملة واحدة وأكبر المتسببين في طريق غادة السيء في الماضي، فضلًا عن عدم المنطقية في بحثها عن ذلك الطارق تحديدًا للمساعدة، وهي تعلم أنه يريد الثأر منها، لأنه سُجن بسببها، ولكن هذا ما تم بالفعل داخل سياق الحدث، ليكشف بشكل “حكاية تروى” عن ماضي شخصية طارق/ فراج، ذلك الشخص الوحيد من بعدها الذي حاول الفيلم الكشف عن أبعاده، فقدمها مسرودة في عجالة، يعاني من أزمة نفسية وقاتل لوالدته بسبب تعدد علاقتها، مما أثمر عن محاولة انتقامه من غادة لأنه يريد الثأر من العاملات بالجنس مثل والدته، في تكريس واضح لسلطته على حرية الأم في الاختيار، وكذلك في حرية غادة لاختيار طريقها، والدليل على ذلك التكريس وتبني المؤلف وبالتبعية خطاب الفيلم بأكمله نفس النهج، هي نهاية الفيلم، حيث تقديم المبلغ الذي تحتاجه غادة من كل من الطارقين، تكفيرًا عما فعلوه تجاهها، وفتح باب التوبة من جديد أمامها والسماح لها بالذهاب للحج، ومنها فهما خرجا من دائرة الشر ليصبحا تائبان متحكمان في مصير السيدة البطلة مقررين لها التوبة، في مقابل لا سيدة وحيدة تمد لها يد العون.

فهما مسؤولان مسؤولية كاملة عن مصيرها من البداية، مقررينه للنهاية، مستغفران تائبان، مقبولة توبتهما، يقدمهما الفيلم منتمين لطرف الثنائية الخير لا الشرير. رغم مرورهما عليه لفترة من الوقت مؤقتة.

إقرأ أيضا

عملة

مع المرور على إدانة سريعة لأم “سيدة” جديدة، لولاها لما كان هذا الرجل أن يحمل من الأساس ولو جزءًا بسيطًا من الشر، فالادانة لم تطل إلا السيدات، وبالأخص أي ممارسة للجنس خارج الإطار المجتمعي المتفق عليه. وأي شرور تظهر من قِبل الرجال، هي وليدة أفعال مشينة للسيدات بالأساس.

 

تعتبر النهاية بكل ما تحمله من علامات، هي خير مؤكد على أن خطاب الفيلم ينحاز بكل مفرداته إلى مفهوم التوبة بإقامة فرائض الحج، وكذلك بتكريس سلطة الرجل، وبالتحقير من شأن أي سيدة قررت فقد عذريتها، أو حتى العمل بالجنس، حيث وضع “العمل بالجنس، أو ممارسة الجنس خارج إطار الزواج” تحت مظلة العُهر الذي يتساوى مع (النصب، السرقة) بالفيلم، أي وضع جسد المرأة في موضع اغتصاب الحقوق، والتعدي على ممتلكات الغير، رغم أن الحالات المذكورة للبطلة، ممارسة مع حبيب بمحض الإرادة، وممارسة عمل وتقاضي أجر في مقابله، بجانب أن جميع النساء أما عاهرات “كما يقول الفيلم” أو محرضات على العهر، وتبلور ذلك بكل جدية في تصوير مشهد الحفلة الذي تذهب إليه غادة في النهاية، وطريقة تقديم المشهد بلغة سينمائية تحمل هم القراءة التأويلية “للغواية” حيث أقنعة للوجوه، واضاءة حمراء، تُدلل على شيطنة هذه الأماكن وهذه الأفعال، أي انحياز الصورة في الحكم على الفضاء دون حتى ترك فرصة للمتلقي بالتأويل أو القراءة التي يفضلها، بخلاف عدم وجود أي مشاهد -كما اعتدنا القول جريئة- فالفيلم يُروج له أنه جريء، وتم رفضه بسبب جرأة أفكاره، ثم بمشاهدته نجده كليًا يكرس لسلطة الرجل، ولعهر المرأة، والنصح بالتوبة، والذهاب للحج للتطهر من الذنوب  وبخاصة إذا كانت سيدة فهي بلا شك تحتاجها، بجانب الحفاظ التام على صورة خالية من أي مشاهد أو ملابس تتماشى مع سياق الجرأة المُروج له، فهي صورة محافظة للغاية، لا تختلف عن نسق الخطاب المحافظ الذي يحمل هم الرسائل التي تضعف بنيته الدرامية، وتنفي جرأة الطرح.

وهنا يأتي السؤال، لماذا تم رفض الفيلم رقابيًا أكثر من مرة؟

بالتأكيد لم نجب بدلًا من صُناع العمل، فربما يكون تعرض الفيلم لتعنت أدى إلى الحذف أو التغيير، لكن بالتأكيد لم يتغير الخطاب كاملًا، وإذا كان الخطاب والتوجه بأكمله تغير، إذًا فمازال هناك فكرة جريئة بحق لم تظهر للنور بعد ونحن بانتظارها، أما عن تلك الجرأة المروج لها فنحن لم نرها.

رحلة ٤٠٤

 

سلطات داخل الفيلم وخارجه

وعن التعنت الرقابي، فلا شك أنه قيد على عنق المبدع أيًا ما كان توجهه، يمثل سلطة لا تختلف كثيرًا عن السلطات التي قدمها الفيلم على السيدات داخل سياقه الدرامي، فهو بدوره يقوم بدور سلطوي على الإبداع، الذي يحق له الخروج للنور بكافة أفكاره، التي سيتلقاها الجمهور، ويعبر عن مستوى تلقيه لها بكل حرية، وذلك هو إشارة لما هو خارج الدراما، لا يختلف عن إشارتنا الأخيرة للحسرة، الحسرة التي بدأت بفرحة عارمة عن بطولة ممثلة ونجمة سيدة لعمل سينمائي يحمل اسمها في صناعة تقوم بالأساس على عناصر ذكورية أكثر، وبخاصة في موضع “النجومية” الذي لم نمتلك فيه بمصر سوى اسمين فقط، منى زكي واحدة منهما بجانب ياسمين عبدالعزيز، فبطولة نجمة امرأة في حد ذاته هو كسر لقواعد توغلت لسنوات داخل سوق السينما، فضلًا عن اتجاه الجرأة الذي افتقدناه أيضًا مع جيل النجمة ذاتها وما حمله من شعار “سينما نظيفة” وبالتالي فتحرر النجمة ووعيها لخوض تجربة سينمائية يروج لها بالجرأة وتحمل اسمها، وتتحدث عن رحلة امرأة، أمر مُحفز على بلوغ أفق التوقع مداه،  ثم يخرج العمل للنور بهذا الشكل، بالطبع يسبب الحسرة، حسرة أولية في كسر أفق التوقع للدراما، ثم حسرة داخل سياقه الدرامي، بالخطاب الذي يحمله الفيلم، بل والذي يطغى على كثير من العناصر السينمائية، ويجعلنا ننظر فيه أكثر من محاولة قراءة مفردات وعلامات لغته السينمائية، ذلك الخطاب الذي يهدد أمن أي سيدة ويقول لها بشكل خطابي فخ، أن جسدها لم يكن ملكها، وأنها مهما حاولت ستظل حبيسة قرارات الرجل، فهي رد فعل دائم له، وكل من حولها من سيدات محرضات على وقوعها، منقذها الرجل وملجأها الرجل، وتوبتها في يد الرجل. حتى التقرب إلى الله لم يتم إلا برضاء الرجل عنها!

 



المصدر