دوافع الصين.. في الاقتراب من القرن الأفريقي

[ad_1]

في أيام قليلة، لا تتجاوز “أربعة” أيام، شهد الصومال لقائين متتاليين من مسئولين صينيين؛ حيث كان اللقاء الأول، الثلاثاء 26 مارس الماضي، بين رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، مع المبعوث الصيني الخاص للقرن الأفريقي “شيويه بينغ”. أما اللقاء الآخر، الجمعة 29 مارس، فقد جرى بين وزير الدفاع الصومالي حسن حسين حاجي، والسفير الصيني لدى الصومال “في شنغشاو”.

وكما يبدو، فإن ثمة اهتمام صيني بالاقتراب من الصومال، والتقارب معه؛ بما يؤشر إلى عددٍ من الدوافع الصينية من هذا التقارب، ليس مع الصومال فقط، ولكن مع منطقة القرن الأفريقي، التي تُمثل حاليًا منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى، في ظل ما يحدث من تطورات على ساحة البحر الأحمر، سواء من جهة الجنوب عند باب المندب، أو في الشمال نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة.

تبدو مؤشرات الاهتمام الصيني بالقرن الأفريقي، عبر أكثر من جانب.. أهمها جانبين:

الجانب الأول: ازداد انخراط الصين في مساعي مواجهة أزمات المنطقة، خلال السنوات الأخيرة؛ حيث أعلنت وزارة الخارجية الصينية، في يناير 2022، تعيين مبعوث خاص إلى منطقة القرن الأفريقي، من أجل “تعزيز الاستقرار الدائم والسلام” في المنطقة، التي تشهد صراعات إقليمية وحروبًا أهلية في دولها. وترى بكين أن هناك مصالح صينية متنامية في هذه المنطقة، لذا تحاول تعزيز دورها هناك.

بل، إن خطوة بكين هذه، تأتي ردًا على تعيين واشنطن مبعوثًا لها في القرن الأفريقي؛ وبالتالي تحاول الصين تقديم رسالة مفادها أنها تلعب دورًا موازيًا في حل القضايا الشائكة في المنطقة، ربما بفاعلية أكبر من الفاعلية الأمريكية.

ومن ثم، تحاول الصين تعزيز دورها السياسي في القرن الأفريقي، ليتوازى مع دورها الاقتصادي والاستثماري؛  وهو ما يبدو بوضح عبر تحول هذه المنطقة إلى نقطة أساسية تنشط فيها الصين، من أجل حماية تجارتها التي تمر معظمها عبر هذه النقطة المهمة؛ هذا فضلا عن كونها منطقة يمر من خلالها مشروعها القومي العملاق “الحزام والطريق”.

من جانب آخر، يتبدى الاهتمام الصيني بالقرن الأفريقي، منذ عام 2017، عندما أنشأت بكين أول قاعدة عسكرية لها خارج الصين، في جيبوتي، لأجل أداء مهام الحراسة في المياه الدولية قبالة سواحل الصومال، إضافة إلى الاقتراب العسكري من المشروعات الضخمة التي أقامتها في عدد من دول شرق أفريقيا.

وكما يبدو، تأمل بكين ، خلال السنوات القليلة المُقبلة، أن تتمكن من توسيع نطاق تواجدها في منطقة القرن الأفريقي؛ إذ تضمنت المحادثات التي أجراها المبعوث الصيني مع الحكومة الصومالية في مارس 2022، إمكانية أن تمنح الصومال للصين إقامة قاعدة عسكرية مُطلة على المحيط الهندي.

ولعل هذا الاهتمام الصيني بالتحول إلى بناء قواعد عسكرية، قبالة المحيط الهندي ومضيق باب المندب عند مداخل البحر الأحمر الجنوبية، يعكس الاهتمام بمنطقة القرن الأفريقي، الذي يُمثل البوابة التي تُشرف على معظم التجارة الصينية، الصادرة من البر الصيني باتجاه الخليج وأوروبا. فضلا عما تُمثله المنطقة من مرتكز للتنافس بين القوى الدولية الكبرى، حول إقامة قواعد عسكرية، خاصة في جيبوتي.

في إطار تلك المؤشرات الدالة على مدى الاهتمام الصيني بالقرن الأفريقي، تبدو دوافع بكين جراء هذا الاهتمام على أكثر من مستوى.. أهمها ما يلي:

أولا: تسعى الصين إلى حماية مصالحها في الخارج، وتعزيز الاعتماد السياسي على الدعم الأفريقي، خاصة في المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة. والمثال الواضح هنا، أن 25 دولة أفريقية كانت جزءا من مجموعة من الدول، التي دعمت قانون الأمن القومي الصيني الجديد لهونج كونج، في يوليو 2020، ضد 27 دول غربية.

وبالتالي.. كان إنشاء الصين مع الدول الأفريقية، في عام 2000، منتدى التعاون الصيني الأفريقي، بهدف تعزيز التعاون بين الجانبين، الصين والدول الأفريقية؛ إذ يُعد المنتدى مجالًا للحوار السياسي وأرضية للتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري.

ثانيا: ويأتي القرن الأفريقي ليُمثل “مصلحة استراتيجية” بالنسبة إلى بكين، لتأمين مبادرة “الحزام والطريق”؛ من حيث إن سواحل شرق أفريقيا قبالة المحيط الهندي، إضافة إلى مسار البحر الأحمر، يأتيان ضمن الأجزاء الحيوية للمشروع الصيني الذي طرح فكرته وتنفيذه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، منذ توليه السلطة، في عام 2013.

والمُلاحظ، أن المشروع الصيني، أو مبادرة “الحزام والطريق”، يضم 41 دولة أفريقية من أصل 55 دولة، يقع معظمها على الساحل الشرقي المُطل على المحيط الهندي، وأبرزها تلك التي تقع في منطقة القرن الأفريقي.

من ناحية أخيرة، ومن منظور احتياج الصين إلى النفط، وأن هذا الاحتياج في تزايد مستمر؛ لذا، فقد أضحت بكين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. ومن خلال محاولاتها البحث عن دول ومناطق جديدة لتأمين احتياجاتها النفطية؛ لم تأل الصين جهدًا في إيجاد موطئ قدم لها في أنجولا ونيجيريا وغينيا والسودان، عبر زيادة الاستثمارات النفطية في هذه الدول.

بل، إنها استغلت توتر العلاقات السودانية مع الولايات المتحدة الأمريكية، منذ عام 1995، كمثال، لتحظى باستثمارات نفطية ضخمة، حتى أصبح أكثر من نصف صادرات السودان النفطية، يذهب إلى الصين.

في هذا السياق، يمكن القول بأن الصين بعد أن استطاعت إثبات قدرتها على التغلغل في معظم الدول الأفريقية، وفي إطار سعيها إلى التمركز اقتصاديًا وعسكريًا على طول طريق مشروعها العملاق “الحزام والطريق”، تؤكد اهتمامها في الاقتراب من دول القرن الأفريقي عمومًا، وأهم مفاتيح هذه المنطقة، الصومال والسودان، بشكل خاص.

ومن هنا، فإن أسباب وعوامل “أمننة” التواجد الصيني في القرن الأفريقي، تتمثل في بعدين، الاقتصادي والاستراتيجي، وإن كان ثمة تداخل بينهما بالتأكيد. إذ، يُعد الوصول إلى الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز والمعادن النادرة، بالنسبة إليها أولوية استراتيجية، وهي تدرك أيضا أن التواجد في هذه المنطقة الاستراتيجية، بعد كافة التطورات الحاصلة في البحر الأحمر، هو نوع من التنافس مع المشروع الأمريكي البريطاني الخاص بالبحر الأحمر، وتعويق له عن الاستمرار في محاولة احتواء مسارات التجارة الصينية حول العالم.

[ad_2]