الونس


لم تكن بالغريبة على مسامعها تلك الطرقات الهادئة المنتظمة في ذلك التوقيت.  

فقد اعتاد جارها  “القبطان محمود” أن يزورها من حين لآخر . 

– مساء الخير ابنتي الرائعة  

– مساء الخير ياعمي، تفضل .

 – أخشى أن أكون قد أزعجتك . 

 قاطعته مبتسمةً:  

 لا عليك سيادة القبطان دومًا تسعدني.

أردف مرتبكًا: 

يبدو أن المدفأة.. أقصد الفحم نفذ من عندي، والشتاء الليلة شديد جدًا والبرق والرعد يضربان السماء بقوة.

على مايبدو أنها نوة رأس السنة.

بابتسامة مرحة قررت  أن تزيل عنه الحرج مقاطعة:

  -هذا من حسن حظي طبعًا، كل عام وحضرتك بخير.

ملتمسًا أقرب مقعد للمدفأة جلس ضامًّا ذراعيه حول صدره، ناشدًا بعض الدفء، راحلاً بذاكرته هناك، حيث تلك المقاعد الوثيرة الدافئة، التي كانت تضم أفراد أسرته، زوجته وأولاده….. ورائحة الطعام الساخن الشهي، ممتزجة بالضحكات الصافية تملأ  أركان البيت.

 

 أتاه صوت (حنين) من الداخل:

– دقائق وسيكون كوب الشاى بالنعناع المخصوص جاهز .

 لم يستطع الرد أو لربما ظن أنه فعل، ها هي تمنحني خيوط الذكريات دون أن تدري لتعيد حياكة ما ناله النسيان منه قهرًا بفعل الزمن .

لم يكن وجوده هنا رغبة منه في استعارة بعض قطع الفحم لإشعال المدفأة !، بل في استعادة ذكريات الونس والدفء .. نعم الونس والدفء.

يتذكر ذلك اليوم الذي زفت إليه زوجته نبأ قدوم عريس ل”سلمى” وحيدته ذلك الطبيب الشاب الذي يقطن في البناية المجاورة لهم، وكيف كانت فرحته أنها لن تسكن بعيدًا عنهم.

اعتدل في جلسته لتضع “حنين” أمامه صينية الشاى وبعض فطائر التفاح بالقرفة. 

كم هي جميلة ورثت عن أبيها -رحمة الله عليه -جمال الطبع ودماثة الخلق.

 

تناول القبطان قطعة من فطائر التفاح بنوستالجيا الحنين لفطائر شريكة عمره التي سيظل مذاقها يداعب فمه مهما تذوق.

ابتسم وهو يرتشف الشاي على مهل:

-يااااه سنوات طويلة ، والأستاذ “كارم” -جارنا- وزوجته لم يتخليا عن عادتهما في سماع حفل أم كلثوم في هذا التوقيت بالإذاعة.

هل تعلمين ابنتي، السعادة معدية كالمرض تمامًا، فكم امتلأت بيوتنا جميعها سعادة بسعادة جار لنا، فكنا ننتظر جميعنا مع الأستاذ كارم وزوجته الحفلة المسائية، ولربما كان يعلم منذ البداية فكان يرفع صوت المذياع ليمنحنا حق اقتسام السعادة معه.

-صدقت عمي لن أنسى أبي وأمي وهما يستعدان في الحادية عشرة من كل ليلة بالمشروبات والحلوى على هذه الركنة القريبة من شباك الأستاذ كارم.

منذ رحيلهما وأنا مفتقدة للكثير  والكثير من تفاصيل الحياة وجمالها، بيد أن وجودي هنا في بيت أبي وسط أهلي وجيراني بعد سفر  زوجي خفف بداخلي الكثير من مشاعر الوحدة والالم.

نظر إليها القبطان وكأنه يستأذنها في الحديث في أمر لا ترغب بتناوله:

– ألا زلت عند رأيك في رفضك للسفر مع ثائر؟.

تشيح حنين بوجهها بعيدًا لتمسح سرا تلك الدمعة الهاربة من عينيها:

– ثائر قرر ورتب دون الرجوع إليّ وكأنني لا أشاركه الحياة وليس عندي عمل أو دراسة أنا الأخرى، اختار نفسه فقط .

قالتها وهي تلملم أكواب الشاي وبواقي الكعك على عجل وكأنها تغلق باب الحديث في هذا الأمر .

وبخطوات سريعة تبتعد، تاركةً خلفها صوت أم كلثوم: 

(ذكريات حبي وحبك ما انسهاش * هي أيامي اللي قلبي فيها عاش)

لتطل من مقلتي القبطان عبرات تقف على الأهداب كأنها هاربة  من كهف عميق مختلسة النظر  لحاضر لم تألفه بعد.

متذكرًا يوم زفاف ابنته وعودته وزوجته وابنهما للبيت بدونها.

لن ينسى أبدًا دموع زوجته الحنون ولا إحساسه وهو يحاول عبثًا منحها القوة لتخطي ذلك الحدث المتوقع جدًا والمفاجىء أيضا جدًا …

لم يغير من رتابة الأيام بعدها سوى التحضير لزواج ابنه باسم  مهندس الإتصالات الماهر الذي وقع في غرام زميلته الحسناء واتفقا أن تكون الترتيبات سريعة بدون حفل زفاف ولا تجهيزات لشقة الزوجية لحين عودتهما من ألمانيا حيث فرصة العمل الرائعة لهما هناك .

سريعًا تم الزواج  ليبقي وزوجته لا يشغلهما سوى متابعة حمل سمر وسعادتهما أنها دومًا بالجوار .

-الكستناء المشوي جاهز  

جاء صوت حنين من الداخل ليختلط مجددا بصوت أم كلثوم:

( اللي فات من عمرى كان لك من زمان * واللي باقي منه جاي لك له أوان)

– أرهقتك كثيرًا ابنتي وأنتِ لا زلتِ في شهور حملك الأولى.

تحسست حنين بطنها التي لم يتضح عليها الحمل بعد، وكأنها تنبهت لذلك الزائر الذي يحمل معه مفتاح  الحياة.

 

بصوت خافت تمتمت:

أه لو يعلم كم أتوق شوقًا للحظة خروجه للحياة.

أحيانًا نشترك مع أحدهم في ذات الحبل السري الذي يربطنا بالحياة لنحمل معا نفس المصير .

بمرارة خرجت حروف القبطان ببطء على لسانه:

نعم …نعم .. أعلم ..أعلم جيدًا ..

فقد كان ذاته الحبل يربطه بشريكة أنفاسه وتفاصيله زوجته وحب عمره….

هناك من نحيا معهم عمرًا بأكمله ولانستشعر وجودهم ..!

وهناك من نحيا معهم لحظات فقط بمثقال كون وما حوى.

تذكر تلك الليلة المشؤومة التي قرر زوج  ابنته قبول بعثته الدراسية بالخارج مصطحبها معه وسط دموع ناهد وتوسلاتها بالانتظار حتى تري حفيدها الأول، ولكن ذهبت كل المحاولات سدى أمام طموح وعنفوان الشباب.

– تأخرت على حضرتك؟

نطقت حنين عبارتها ويدها ممتدة بطبق الكستناء الساخن ليتناوله منها مبتسمًا متمتمًا: 

– كانت تجيد صنعه كانت جميلة بكل تفاصيلها

لحظات صمت لا يقطعها سوى صوت المذياع:

(سنين بحالها .. ما فات جمالها .. على حب قبله

سنين ومرت زي الثواني في حبك إنت

وإن كنت أقدر أحب تانى أحبك انت)

بنظرات حانية ممتنة يربت على كتفها واضعًا الطبق وشاكرًا إياها على لحظات الدفء والونس …

بادلته عبارات الامتنان لمنحها الإحساس ذاته:

 – فلترتاحي حبيبتي.

إقرأ أيضا

بانورج

 

جملة أنهى بها القبطان زيارته لتبدأ بها حنين ليلتها 

 أرتاح ؟؟؟

من أين تأتي الراحة 

  وهي بين غائبيين ؟!!

  غائب لا يرى إلا نفسه وقرارته غير عابىء بمستقبلها الأكاديمي، وعملها، وتعلق قلبها بأرض طوت أجساد أحباب فارقوا الحياة، والاستسلام لغربة وطن وروح مقابل مال ؟!

وغائب تحمله بين حناياها ..تمنحه الحياة حتى إن امتلأت رئتيه 

رحل ليتنفس ويحيا بعيدًا ….

أين سمر وباسم؟

ليس الونس ونس الحضور ، رب غائب ملء السمع والبصر برصيد حياة لا ينضب

هل سنظل نحلم بسراب الونس؟

كيف للإنسان أن يضمن الونس؟ 

ونس الإبن ….الزوج …الزوجة …..الصديق ؟؟؟

رحل ثائر غير عابىء بونس ولا غيره، وبقيت لأنتظر ونسًا لا أضمن بقاؤه !

وبين غائب راحل وغائب منتظر   ..

 لا زال الحلم بالونس !! 

ووو…..

( وأحب تاني ليه وأعمل في حبك إيه

ده مستحيل قلبي يميل ويحب يوم غيرك أبدًا)



المصدر