إثيوبيا والمنفذ البحري.. بين الصومال وأرض الصومال


يبدو أن إثيوبيا في طريقها للتراجع عن مذكرة التفاهم، التي كانت قد أبرمتها مع جمهورية “أرض الصومال” (صوماليلاند)؛ وذلك على خلفية إعلان وزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف، رسميًا -بحسب “اندبندنت عربية” في 31 مارس الماضي- أن بلاده “رعت الجولة الأولى من المحادثات بين إثيوبيا والصومال في العاصمة الكينية نيروبي”. وأكد يوسف على أن المبادئ الأساسية للمحادثات “ترتكز على ضرورة الحفاظ على سيادة الصومال ووحدة أراضيه”.

وكما يبدو، فإن ثلاثة أشهر من التوتر الناشب بين الصومال وإثيوبيا، الناتج عن مذكرة التفاهم التي وقّعت بين إثيوبيا وصوماليلاند، في الأول من يناير الماضي، كانت كافية لدفع الصومال وإثيوبيا إلى الحوار لحل الإشكالية.

هذه الإشكالية بدأت باعتبار الصومال أن الاتفاق بين إثيوبيا وجمهورية أرض الصومال هو بمثابة “إعلان حرب” على سيادته ووحدة أراضيه؛ خاصة أن مذكرة التفاهم تعطي الحق لإثيوبيا في الحصول على ميناء على المحيط الهندي، في مُقابل اعتراف إثيوبيا بأرض الصومال، كـ”دولة مستقلة” عن الصومال.

وهنا، تتباين الرؤى؛ حيث تنطلق الرؤية الصومالية، بخصوص مذكرة التفاهم تلك، من أن الصومال هو جمهورية فيدرالية معترف بها في منظمة الأمم المتحدة، منذ الأول من يوليو 1960، بحدودها الجغرافية التي تضم الصومالين الإنجليزي والإيطالي. ومن ثم، فإن صوماليلاند، بناءً على ذلك، ليس إلا إقليمًا تابعًا لسيادة مقديشو، حتى لو أعلن استقلاله بصورة أحادية؛ إذ، لم يحصل على اعتراف أي دولة، فضلا عن عدم حصوله على الاعتراف الدولي من الأمم المتحدة. وبالتالي، لا يحق لحكومته توقيع أي اتفاق مع أي جهة خارجية.

على الجانب الآخر، تعتد رؤية صوماليلاند على إحدى مبادئ ميثاق الاتحاد الأفريقي، الذي ينص على “قدسية الحدود الموروثة من الاستعمار في القارة الأفريقية”. ومن ثم تعتبر صوماليلاند نفسها دولة مستقلة عن الصومال (الإيطالي)؛ خاصة أنها منذ إعلانها الاستقلال عن بريطانيا، في 26 يوليو 1960، حصلت على اعتراف 34 دولة عضو في الأمم المتحدة.

إلا أن رغبة قادتها -حينذاك- لبناء دولة تضم كل المتحدثين باللغة الصومالية، دفعهم، بعد خمسة أيام فقط، إلى الاتحاد الطوعي مع الصومال (الإيطالي)، لتُصبح صوماليلاند (الصومال الإنجليزي)، جزءًا من جمهورية الصومال، في الأول من يوليو 1960.

وبعد سقوط النظام في مقديشو، وانهيار الدولة المركزية، أعلنت صوماليلاند استقلالها عن الصومال بصورة أحادية، معتمدة على حقها التاريخي في الاستقلال، باعتبار أنها لم تكن جزءًا من خريطة الصومال قبل عام 1960.

عقب صعوده إلى السلطة، قبل خمس سنوات، أعاد آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، إحياء طموح أديس أبابا لامتلاك منفذ بحري على سواحل البحر الأحمر؛ حيث تعهّد في خطابه الأول بالعمل في هذا الاتجاه.

وكما يبدو، فإن ثمة مجموعة من الدوافع الجيوسياسية، المتعددة والمتشابكة في ما بينها، التي تستند إليها إثيوبيا في هذا التوجه.. لعل أهمها هي التالية:

أولًا: تنويع المنافذ في البحر الأحمر؛ ويأتي هذا الدافع، ضمن أهم العوامل التي تستند إليها أديس أبابا، في محاولة امتلاك منفذ بحري؛ إذ إن اعتمادها المتزايد على جيبوتي لأجل الوصول إلى البحر الأحمر، وبروز هذه الأخيرة كـ”شريك”، من حيث استحواذها على أكثر من 75 % من صادرات وواردات إثيوبيا؛ كل ذلك ساهم في دفع أديس أبابا إلى البحث عن خيارات بديلة.

ضمن هذه الخيارات، نحو تحقيق الطموحات البحرية الإثيوبية، تأتي محاولة تأمين صفقات مع بعض دول الجوار، مثل السودان وصوماليا لاند، للوصول إلى بورتسودان وحصة في ميناء بربرة، على التوالي، بهدف تقليل الاعتماد على ميناء واحد، وخفض رسوم الموانئ. وبالتالي، فمن شأن منفذ بحري ثابت، كعامل استراتيجي لدى أديس أبابا، تسهيل حماية هذه المسارات التجارية المتنوعة؛ وفي الوقت نفسه ضمان الوصول إلى الموانئ والمنافذ البحرية الحيوية في منطقة القرن الأفريقي.

ثانيًا: محاولة لعب دور في أمن البحر الأحمر؛ فمع القرب الجغرافي لإثيوبيا من سواحل البحر الأحمر، بمسافة لا تتجاوز 60 كيلو متر تقريبًا، تسعى إثيوبيا للانخراط في لعبة القوى بإقليم هذا الممر المائي الاستراتيجي، عبر محاولة التمركز على سواحله، وبناء قوة بحرية تكون ذراعًا عسكريًا لها، في حماية السفن الإثيوبية، البالغ عددها إحدى عشر سفينة تتمركز في البحر الأحمر.

وكان آبي أحمد قد تعهّد، في خطابه الأول بعد صعوده إلى السلطة، بإعادة بناء سلاح البحرية الإثيوبية، التي تفككت في عام 1996، وعرض أصولها للبيع، بعد ثلاثة أعوام من استقلال إريتريا.

ثالثًا: توسيع النفوذ في القرن الأفريقي؛ فمنذ صعوده إلى السلطة، يبدو أن آبي أحمد لا يُريد الاعتراف بأن إثيوبيا دولة حبيسة؛ ويبدو أيضا أنه يُدرك صعوبة تقوية وتوسيع النفوذ الإقليمي لبلاده، دون الوصول إلى الموانئ البحرية في منطقة القرن الأفريقي؛ لذلك يُخطط لأن تصبح بلاده القوة الإقليمية الأقوى، في منطقة القرن الأفريقي؛ بما يجعل إثيوبيا مقصدًا للاستثمارات الأجنبية، وبوابة مهمة للقوى الكبرى إلى دول المنطقة وشرق أفريقيا، والعمق الأفريقي عموما.

ومن ثم، تدرك إثيوبيا أن دول الجوار الإقليمي لها، وإن كانت تمتلك منافذ بحرية وسواحل على البحر الأحمر، لكنها لا تستغلها بسبب افتقارها للقدرات المالية واللوجستية؛ لذا شرعت في التعاون مع دول الجوار، من خلال بناء الممرات والطرق البرية التي تربط بينها، مثل خط السكك الحديدية الواصل بين أديس أبابا وميناء جيبوتي، بطول 750 كيلو متر بتمويل من الحكومة الصينية.

في هذا السياق، يمكن القول بأن المحاولة الإثيوبية في امتلاك منفذ بحري، عن طريق صوماليلاند، أو من خلال الصومال، إنما تأتي في اتجاهه أن تصبح القوى الإقليمية الأقوى، في منطقة القرن الأفريقي، عند مداخل البحر الأحمر الجنوبية، كـ”توجه استراتيجي”؛ هذه المحاولة، تنبني على ما قامت به أديس أبابا، خلال السنوات الماضية، من إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة، لتعزيز استقرارها الداخلي، وتأمين حدودها، وتوفير ميناء يساعدها على نقل صادراتها إلى العالم.

بل، إن الحقول النفطية المكتشفة في مناطق بإثيوبيا، وأخرى في سواحل الصومال وحدوده البحرية مع كينيا، يدفع أديس أبابا بقوة نحو بناء قوة بحرية، تشارك في حماية تلك المناطق، لاسيما الواقعة في سواحل الصومال، الذي ليس لديه جيش قوي قادر على تولي مسئولية حماية هذه الثروة.